رئيس مجلس الإدارة : هاني نصر

"الأنسولين" البول كان سبباً في اكتشافه بعد ألفي سنة من البحث

كتب : وسيم عفيفي
AM 10:11 2017 January 11 ,Wednesday
بانتنج يخترع الأنسولين

علاقة مرض السكر بهورمون " الأنسولين " الذي تفرزه غدة البنكرياس
ولكن كيف اكتشف العلماء تلك العلاقة ؟
لذلك قصة طريفة ؛ فمرض السكر معروف من قديم الزمان ، ذكره أبقراط في القرن الخامس قبل الميلاد ، ووصف أعراضه وصفاً دقيقاً ، ولكنه لم يفطن إلى وجود السكر في البول وقتها، وظل الأطباء من بعده زهاء عشرين قرناً لا يفطنون إلى ذلك أيضا ، حتى جاء الطبيب الإنجليزي ويلبس ولاحظ أن بول المريض بهذا المرض يختلف عن البول العادي بحلاوة مذاقه كأنه مخلوط بالعسل أو بالسكر
ولكن ما علاقة ذلك كله بالبنكرياس ، وكيف اكتشفت تلك العلاقة ؟
كان المعروف عن غدة البنكرياس أن عملها الوحيد هو إفراز عصارة خاصة تدفعها في قناة تصبها في الأمعاء ، لكي تكمل هضم الطعام بعد خروجه من المعدة ، هذه كانت معلومات علم الفسيولوجيا ـ علم وظائف اعضاء الجسم ـ الى قرب مطلع القرن العشرين .
وفي عام 1889 م ، كان الأستاذ فون مرنج يجري تجارب عن استئصال غدة البنكرياس في الحيوان، ليلاحظ ما قد يطرأ على وظائف الهضم من عجز او اضطراب ، ولكنه وجد أن الحيوان ـ علاوة على اضطرب هضمه بعد إجراء العملية ـ قد أصيب بأعراض تشبه أعراض مرض السكر في الإنسان
ثم جاء من بعده الأستاذ لانجرهانز ، وأثبت بالفحص المجهري ان غدة البنكرياس تحوي ـ عدا الخلايا المعروفة ذات الإفراز الخارجي ـ خلايا أخرى تعرف الآن باسم خلايا لانجرهانز ، لها إفراز داخلي يسير في الدم فينقذ الإنسان من مرض السكر، و ما كادت هذه الحقيقة تذاع حتى اهتم بها الباحثون والعلماء وراحوا يحاولون الحصول على هذا الإفراز الداخلي ، من غدة الحيوانات ، لكي يستعملوه في علاج مرض السكر ، ولكن جهودهم ومحاولاتهم ذهبت أدراج الرياح .
ثم قامت الحرب العالمية الأولى ، وأخذت أصوات المدافع تهدر فوق الأراضي الفرنسية ، وفتح الموت فاه ليبتلع الآلاف من شباب الأمم الذين هرعوا من وراء البحار ليقدموا أجسامهم الفتية وقودا لنيرانه ، وكان من بين هؤلاء الشبان فتى كندي من طلبة الطب ، أصيب في إحدى المعارك بجرح خطير ، فعاد إلى وطنه في كندا ليواصل دراسته الجامعية ، ثم تخرج الفتى ونال إجازة الطب وفتح لنفسه عيادة صغيرة وضع على بابها لافتةً نحاسية تحمل اسمه : فريدريك بانتنج .
ومضت الأسابيع الأولى بطيئة مملة في انتظار المريض الأول ، فكان يشغل وقته بالإطلاع على المؤلفات والمجلات الطبية ، وفي إحداها وجد مقالا آثار اهتمامه ، وكان صاحب المقال يعرض فيه حالة مريضة تشكو من وجود حصاة كبيرة في المرارة ، وقد ضغطت هذه الحصاة على قناة البنكرياس ضغطاً أدى إلى انسدادها ، ثم توفيت المريضة بعد أسابيع قلائل ، واتضح من فحص البنكرياس بعد الوفاة ان الخلايا ذات الإفراز الخارجي قد ضمرت حتى اختفت ، أما خلايا لانجرهانز ذات الإفراز الداخلي فقد بقيت سليمة قد أطلع على هذا المقال عدد كبير من الأطباء في أنحاء العالم دون أن يثير اهتمامهم ، أو يبعث التفكير في أذهانهم ، أما بانتنج فإنه ما كاد يفرغ من قراءته حتى أخذ يخاطب نفسه : إذا كان الأمر كذلك فما علينا إلا ربط قناة البنكرياس في الحيوان ثم نتركه بضعة أسابيع حتى تضمر خلايا الإفراز الخارجي ، وبعد ذلك نعود إليه ونستأصل منه غدة البنكرياس فنجد فيها خلايا لانجرهانز ذات الإفراز الداخلي وحدها ونستطيع الحصول على خلاصتها واستعمالها في مرض السكر .
وفي تلك الليلة أرق بانتنج ، وتقلب في مضجعه طويلا، وهو يدير هذه الفكرة في رأسه ، حتى إذا أسفر الصباح ، هرع إلى كلية الطب ، حيث قابل الأستاذ ماكليود العالم بوظائف الأعضاء ، وأفضى إليه بفكرته ورفع الأستاذ رأسه الضخم المشتعل شيبا ، ونظر إلى محدثه بارتياب وهو يقول متسائلاً : وهل تمكنت أيها الشاب من دراسة غدة البنكرياس من الوجهة التشريحية وغير التشريحية ؟ وهل حذقت وسائل تحليل الدم بالطرق الكيميائية وغيرها ؟ وأجاب بانتنج في استحياء قائلاً : لا فكل ما لدي هو فكرة أريد أن أضعها موضع التجربة ، ولذلك أرجو أن تسمح لي بمساعد يعاونني في الكشف والوصول إلى الحقيقة الكاملة ثم أخذ يشرح فكرته ، ويبديء فيها و يعيد ، وكان الأستاذ في ذلك الوقت منهمكاً في دراسة بحث آخر ، ويتأهب للسفر إلى أوروبا ، فأراد أن يتخلص من هذا الطبيب وسمح له بما أراد.
وخرج (( بانتنج )) من عند استاذه ، ووجهه يطفح بشرا وقلبه عامر بالامل ، ولكنه كان في ذلك الوقت معوزا صفر اليدين ، لم يتجاوز دخل عيادته اربع ريالات في الشهر الاول ، فعول على اغلاق العيادة وبيع اثاثها للانفاق من ثمنه ، وذاع هذا الخبر بين زملائه ، فسخروا منه وتفكهوا بحاله ، ورموه بالسفه والتعلق باهداب الوهم والخيال .
وبعد أيام معدودات كان بانتنج قد هيأ لنفسه معملا في غرفة مهجورة من غرف الكلية وأقام فيها هو ومساعده وعشرة من الطلبة ، ولم يكن مساعده من العلماء الراسخين في العلم ، وإنما كان طالب طب في السنة النهائية يدعى بست)، وكانت مهمة بانتنج إجراء العمليات الجراحية على الكلاب ، فيربط قناة البنكرياس في واحد منها ، ويستأصل الغدة من كلب آخر ، وزميله الطالب يقوم بالكشف عن كمية السكر في دمائها ، ولم يمضي على هذا العمل بضعة أسابيع ، حتى كان بانتنج قد أثبت بالدليل القاطع صدق نظريته ، وأصبح خيال الأمس حقيقة اليوم ، بعد أن وضع بانتنج يده للمرة الأولى على ذلك السائل الساحر الذي يعرف الآن باسم الأنسولين ، ثم أخذ ـ بعد نجاح التجربة الأولى ـ يحضّره لا من غدد الكلاب بعد ربط قنواتها ، ولكن من عدد الحيوانات الذبيحة بعد تعريضها لمواد خاصة تتلف خلايا الإفراز الخارجي , وتبقي فقط على خلايا لانجرهانز .
وعاد الأستاذ ماكليود من رحلته في أوروبا ، وانتهت إلى مسامعه هذه الأخبار فتملكته الدهشة والعجب، ونفض يده من كل أعماله ، وأسرع هو ومساعده إلى إعادة التجارب التي أجراها بانتنج على الكلاب ، حتى إذا استيقن من صحتها ذهب من فوره إلى الجمعية الطبية الأمريكية ، ليزف إلى العالم الطبي خبر ذلك العلاج الجديد الذي كشف في معمله ، ودوت قاعة المحاضرات الكبرى بالهتاف والتصفيق للأستاذ ماكليود ومساعده
أما بانتنج فكان وقتها في شغل شاغل بعلاج المرضى الذين وصل إلى أسماعهم خبر الترياق الذي كشفه فلجأوا إليه وهم في أشد حالات المرض، يحملهم ذووهم فوق الأَسِّرة والنقالات ، وكان المريض يدخل إليه مطروحا على سريره ، فلا يلبث بعد بضع حقنات من هذا الترياق أن ينهض واقفا على قدميه ، ثم يحمل سريره ويسير إلى داره لذلك لم يصل صوت الهتاف المدوي في قاعة الجمعية الطبية الأمريكية إلى مسامع بانتنج قاهر مرض السكري .



تابعنا علي فيس بوك