رئيس مجلس الإدارة : هاني نصر

هوامش على الربيع العربي (1)

كتب : تامر فراج
AM 06:09 2017 May 14 ,Sunday

سنوات تقترب من العقد مرت على ما سمي بأدبيات الإعلام الدولي بداية متبوعاً على الأثر من وسائل الإعلام العربية ب"الربيع العربي" ،ذلك الاصطلاح المستحدث والذي استخدم للتعبير عن حركة الاحتجاجات الواسعة التي تتالت وتوازت في شوارع عدد من الدول العربية، صارخة ضد القهر والاستبداد والتأبيد في السلطة ،وهو الأمر الذي كان حلماً للجميع بالمنطقة، وجعله مستحيلاً وجود أنظمة حكم متكلسة وقديمة وغير قابلة للعزل أو حتى للمحاسبة ، إلى جانب أنها بالأعم الأغلب كانت أنظمة عميلة تعمل لصالح الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تحديداً وتقع بنطاق حمايته وهو الأمر الذي جعل الأمر أكثر استحالة .
بعد ذلك تتابعت أحداث الربيع العربي معطية ضوءاً من الأمل للعقلاء والمثقفين والانسانيون من المنطقة وخارجها أن ثمة أمل بتغيير عميق ينقل المنطقة العربية نقلة حضارية تلحقها بركب الأمم المتقدمة .
والحقيقة أن هذا الضوء وفي البداية خاصة خدع الجميع بمن فيهم العقول السياسية ثقيلة الوزن من المنطقة وخارجها ، فقد بدأ الأمر بالأخف والأسهل "تونس" والتي بدأ بها الحراك الشعبي السلمي رافعا شعارات الحرية والكرامة والمواطنة والتي انتهى الأمر بها سريعاً بعد هرب ديكتاتورها من البلاد إلى "السعودية" مؤثرا السلامة أمام غضبة الشعب.
مروراً بمصر الدولة الأكبر في المنطقة والجيش الأقوى عربياً والتي حكمها مبارك ثلاثون عاماً فقدت أثناءها دورها المحوري كقائدة للعالم العربي وصارت "كنزاً استراتيجياً" لإسرائيل ،والتي بدأ الحراك بها بنفس الترتيب التونسي مع اختلافات على مستوى مقدار العنف الذي مارسته كلا السلطتين على المظاهرات السلمية وعدد الضحايا وخلافه.
وقد انتهى بها الأمر"ظاهرياً" في أقل من عشرون يوماً وذلك بعد انحياز المؤسسة العسكرية لخيار القطاع الشعبي الذي بدا أعرض وقتها وقيامها بعزل مبارك.
إلى هنا والجميع كان يرى بالأمر حراكاً شعبياً محقاً ونبيلاً "وقد كان كذلك إلى هذا الوقت" وشعوباً طالماً رزحت تحت حكم الفرد المطلق تنتفض مطالبة بحقوقها في نظم حكم متسقة مع نظراءها من الدول في العالم المتقدم .
بداية من ليبيا بدأ الوضع يختلف ويأخذ شكلاً لم يكن منتظراً على الأقل من أغلب محللي السياسة الدولية والاستراتيجيا ناهيك عن الراي العام العادي...
كانت البداية مثلما حدث في الحالات التي سبقتها بالدول أنفة الذكر مظاهرات سلمية وشعارات عادلة تطالب بالرحيل الفوري والمسائلة والقصاص وخلافه، الاختلاف ظهر عندما بدأ الشباب "الثائر" في المظاهرات "السلمية" باحتلال الثكنات العسكرية للجيش الليبي، والسيطرة عليها وتدمير قطاعات منها كان أبرزها "قواعد الدفاع الجوي"، وهو الأمر الذي لم يفهمه أحد، لماذا يستهدف ثائراً وطنياً الدفاعات الجوية لبلاده..... وهي التي لا تستخدم في الهجوم مثلا على الثوار من قبل النظام حيث أنها أسلحة دفاعية ضد الطيران المعادي والصواريخ الهجومية تحديداً ،الأمر الذي لم يفهمه أحد إلا بعد ذلك .
بدون سرد لأحداث يعرفها القاريء حتماً ، بسرعة شديدة وبصورة مريبة تم استصدار قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع يعطي الحق لما يسمى بالمجتمع الدولي بالاستهداف العسكري لليبيا وفرض منطقة حظر طيران عليها وذلك تحت سمع وبصر الجميع، وبالرغم امتعاض الصين وروسيا صاحبتا الحق باستخدام الفيتو، إلا أن القرار تم تمريره تحت غطاء من البروباجندا العالمية والعربية، و محتواها أن معمر القذافي يستخدم القوات المسلحة الليبية في إبادة الليبيين وإخماد ثورتهم ..... وهو الأمر الذي اتضح أنه لم يكن دقيقاً على الإطلاق ،
المؤسف حقا في الأمر هو موقف جامعة الدول العربية التي أعطت غطاءاً شرعياً خول للولايات المتحدة من ورائها حلف شمال الأطلنطي استخدام الحظر الجوي لتكبيل ليبيا ،ومن ثم بدأ " المجتمع الدولي" بتوجيه ضربات جوية استهدفت الجيش الليبي الذي بدا مكبلاً خاصة أن "الثوار" كانوا قد دمروا أو سيطروا على ثكنات الدفاع الجوي به.
، وبالطبع لم يخلوا الأمر من ضحايا مدنيين كعادة أي تحالفات عسكرية غربية خصوصاً تلك التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية .
وانتصرت "الثورة" بقتل الزعيم الليبي عن طريق عملية استخبارية غربية سلمته لقبضة "الثوار" الذين بدأ اطلاق كلمة "المجاهدون" عليهم ، ودشنت مرحلة جديدة في ليبيا افتتحتها الصورة الكوميدية السوداء "للثوار" مع "جثة" القذافي وقيامهم بالتمثيل بها ، و صارت الكلمة العليا فيها للجماعت "الثورية" التي تنوعت مشاربها ومصادر تمويلها ، وانتهى حلم حكم الصندوق بصدمة دولة الميليشيات التي صار الشعار فيها "دبابة لكل مواطن" .
بدون الدخول في ماحدث بالتوازي والمواقف المختلفة للأطراف المعنية مباشرة بالشان الليبي ، مثل موقف نظام الحكم في مصر والذي كان وقتها بيد المجلس العسكري الذي أطاح بمبارك، والذي بدا للعين المطلعة اضطراب قراراته ومواقفه وذلك لشعوره باختلال معادلة الأمن القومي المصرية من جهة و عدم قدرته على الوقوف بوجه الموجة نتيجة للاضطراب الداخلي من جهة أخرى، وأيضاً نتيجة لشدة الموجة دولياً ، وهو الامر جعل دولتان مهمتان بحجم روسيا والصين مكبلتا الأيدي في مجلس الأمن .
عندما بدأ "الحراك" ذاته في سوريا بنفس ترتيب المشهد الليبي ونفس البروباجندا الاعلامية ،ونتيجة لما تركته التجربة الليبية من أثر بمشهد جثة القذافي وسط مجموعة "المجاهدين"، لم يكن أكثر الخبراء السياسيين وضوحاً للرؤية يتوقع أن نصل للعام 2017 ومازالت الدولة السورية قائمة، ولا زال الجيش السوري وبالرغم من محاولات تفكيكه ثابتاً إلى حد بعيد على كل الجبهات على قدر ما يستطيع وبمساعدة حلفائه.
كالعادة البداية حملة من قبل الاعلام الغربي وبعض الاعلام العربي، استهدفت شيطنة نظام الحكم في سوريا واتهمت جيشها بممارسة الابادة الجماعية للشعب "السلمي"الذي يرغب بالتحرر ونيل الديمقراطية .... كان للحملة نفس الترتيب ونفس الأدبيات ونفس الأساطير التي استخدمت في ليبيا ، إلا أنه لم يعد مقبولاً بحال من الأحوال أن يحدث في سوريا مثلما حدث في ليبيا، خصوصاً بالنسبة للدول صاحبة المصلحة في استقرار سوريا ليس كنظام حكم لكن كنظام بشكل عام مثل روسيا صاحبة العلاقات القوية والمستمرة منذ عقود مع نظام الحكم فيها ، وأيضاً بالنسبة للدول والحركات أصحاب المصلحة في بقاءه، وهم الذين تربطهم به مصالح مشتركة ومعاهدات مكتوبة وضمنية مثل إيران وحزب الله.
من هنا ومنذ بداية تصدر الأزمة السورية للمشهد العام "للربيع" العاصف بالمنطقة ،قامت روسيا "والصين أحياناً" بافشال كل محاولات الدول الغربية الحثيثة في مجلس الأمن بمساعدة بعض الدول العربية "الراغبة بشدة في جلب الديمقراطية للشعب السوري بالرغم أنه لا يوجد بها انتخابات حتى لأعضاء هيئة تدريس الجامعات" محاولة إدخال سوريا تحت البند السابع وفرض حظر الطيران عليها، وهو الأمر الذي كان سيترك الجيش السوري عارياً بين أنياب الجماعات المسلحة "الثوار سابقاً" التي تم تسليحها وتمويلها وإرسال المسلحين من كل الجنسيات إليها .
والحقيقة شعور روسيا بخطورة الإقرار بما يحدث من إسقاط لأنظمة الحكم بالمنطقة لصالح الفوضى وسيطرة الميليشيات المسلحة، إلى جانب أن سوريا بالتحديد كانت موطئ القدم الوحيد المتبقي لروسيا في إقليم الشرق الأوسط ، وخسارتها كان معناه الخروج من المنطقة بطريقة مذلة ، وهو ما جعل روسيا والى لحظة كتابة المقال تقف بشدة تصل في رأي البعض من المحللين "للاستماتة" في وجه محاولات اسقاط النظام بالقوة .
النتيجة الاستدلالية أن ما كان يعد للمنطقة بعد إسقاط النظام السوري وتفكيك الجيش ،كان ببساطة مشروعاً تقسيمياً يهدف لإسقاط الدول الوطنية أو على الأقل إضعافها، ويجزئ المنطقة على أسس عرقية ومذهبية لضمان استمرار المصالح الغربية "المتوحشة" في المنطقة، وجعل اسرائيل أمنة وسط محيط متنازع غير مستقر وبلا جيوش قوية تهدد وجودها ، ومن نافلة القول أن وصف هذا الطرح بالخيالي وبنظرية المؤامرة هو الذي أصبح خيالياً وغير متسق مع الواقع ، حيث أن ما جرى من وقتها وإلى الأن يشي بكل شيء .


الأكثر مشاهدة

تابعنا علي فيس بوك