رئيس مجلس الإدارة : هاني نصر

تأويلات خاطئة أفسدت مفاهيم ديننا | (1) - الأسرى

كتب : طارق عبد الحميد
PM 09:19 2017 March 22 ,Wednesday

صدمني قاموس لسان العرب صدمة بليغة .
كنت أبحث عن معنى كلمة (يُثْخِنَ) والتى وردت فى الآية التالية "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" - الأنفال (67)..
كما ورد تصريف لها فى الآية التالية "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ" - محمد ـ (4)
والكلمة التي نحن بصددها هى أَثْخَنتُمُوهُمْ.والكلمتان من الجذر اللغوي (ثَ .خَ . نَ) والمضارع منه ( ىَ ثْ خُ نْ ) من قَتَلَ، يَقْتُلْ .
والفعل المتعدي منه ( أ ث خ نَ) بزيادة حرف الألف فى أوله ومضارعه (يُ ثْ خِ نَ ) ، وما نحن بدرس فى النحو الآن، ولكن ستعرفون لماذا كان علينا التنويه لهذا الأمر؟
أما ما وجدته من معانٍ للكلمه فهي : الغلو في عمل الشئ ، وثخُن السَّائلُ ونحوه : تكثَّف، وغلُظ ؛ وهذا في معجم المعاني الجامع.
كذلك قال المعجم أن ثخن في الأمر بمعنى غالى وبالغ فيه، كذلك أثخن في العدوِّ أى - بالغ في قتل أعدائه .
وجاء في لسان العرب التالي ، ويقال: أَثْخَنَ فلانٌ في الأرض قَتْلاً إذا أَكثره.
وقال أَبو إِسحق في قوله تعالى: حتى يُثْخِنَ في الأَرض؛ معناه حتى يُبالِغَ في قَتْلِ أَعدائه، ويجوز أَن يكون حتى يتمكن في الأَرض.
ليست المشكلة في معنى الكلمة هنا ولكن المصيبة أن يكون للسان العرب رأي في التأويل لمعنى الآية ، ونلاحظ هنا نهاية الجملة حيث قال "ويجوز أَن يكون حتى يتمكن في الأَرض".
ومن قال أن هذا هو المعنى المطلوب من الكلمة تلك في هذا الموضع والله تعالى يقول : "ما كان لنبى ــ أيا كان هذا النبى وليس محمد عليه الصلاة والسلام المقصود وحده ــ ما كان لنبى أن يكون له أسرى .. أى ليس من حق النبى أن يكون له أسرى، حتى يتمكن فى الارض أى يفرض قبضته عليها ويسود "
ومن طرائف الأمور أن هذا القاموس وضعه بن منظور الذي ولد عام1232 م وتوفى عام - 1311 م ، وقد أُخِذَ رأيه هذا مع الأسف من كتب الصحاح وما شابهها من كتب التراث.
وبعد تلك المقدمة الطويلة المملة، نقول ما كتبه الأولون فى معنى الآية التي نحن بصددها الآن ، قال تعالى " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} - الأنفال (67).
ويقول القرطبى فى تأويل الآية: هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم.
والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان.
ولهم هذا الإخبار بقوله "تريدون عرض الدنيا"
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية.
هذا قول أكثر المفسرين، وهو الذي لا يصح غيره.
وقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما كان لنبي أن يحتبس كافرًا قدر عليه وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ. وإنما قال الله جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يعرِّفه أن قتل المشركين الذين أسرهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثم فادى بهم، كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم.
قد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر، هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه. وهذا رأى ابن كثير.
ويقول الجلالين "ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر "ما كان لنبي أن تكون } بالتاء والياء { له أسرى حتى يثخن في الأرض } يبالغ في قتل الكفار { تريدون } أيها المؤمنون { عَرَض الدنيا } حطامها بأخذ الفداء {والله يريد } لكم { الآخرة } أى ثوابها بقتلهم { والله عزيز حكيم { وهذا منسوخ بقوله ( فإما منّا بعد وإما فداءً.)
أما الطبرى فحدث ولا حرج يقول (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَحْتَبِس كَافِرًا قَدْر عَلَيْهِ وَصَارَ فِي يَده مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان لِلْفِدَاءِ أَوْ لِلْمَنِّ . وَإنَّمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَرِّفهُ أَنَّ قَتْل الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَسَرَهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر ثُمَّ فَادَى بِهِمْ كَانَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْهُمْ وَإِطْلَاقهمْ
وقد أخطأوا جميعا بلا استثناء للأسف الشديد، لأنهم أخذوا تأويل الآية من كتب الصحاح من رواية عمر بن الخطاب فى مسند أحمد وعن رواية عبد الله بن عباس فى مسند أحمد وعبد الله بن مسعود فى سنن الترمذي
كل هذا لا يهم فيما سأعرض عليكم الآن لمعنى الآية ..
أخطأ هؤلاء العظام جميعاً فى فهم معنى أهم كلمات الآية، كلمة (حتى) وكذلك كلمة (يُثْخِنْ) فكلمة حتى هنا فى الآية تعني من أجل أن ولا تعني إلى أن.
ما كان لنبى وأقصد أي نبى وليس رسول لله فقط أن يكون له أو يتخذ أسرى بعد أى حرب أو قتال من أجل أن يسيطر ويتمكن ويفرض سلطانه وسطوته فقد أتت هنا فى الآية من الفعل المتعدي أثخن ولم ترد ( حتى يَثْخُنَ).
ومن هنا نرى أن المعنى الذى تستقيم له الآية في التأويل هو( أنه لم يكن لأى نبى ـ وهو أمر عام وليس خاصاً بمحمد صلى الله عليه وسلم وحده كما ادعوا ما كان له أن يتخذ أسرى أويحتفظ فبعدما تنتهى الحرب عليه إطلاقهم والدليل تريدون عرض الحياة الدنيا والله يريد الآخرة.
ولكن الله كان يلوم رسوله الكريم لأنه أبقى عليهم ليعلموا أبناء المسلمين ودليلنا واضح فى الآية التى تليها (لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) - الأنفال (68)
وهذا بالطبع لا يتعارض مع ما نزل فى سورة محمد حيث قال جل شأنه " فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ " محمد … (4)
وما أعنيه هنا هو الحكم إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً
أما ما قاله المفسرون والأصحاب التأويلات الباطلة، فهذا لا يمت لكلام الله ومعانيه، إنما هى العصبية والقبلية والبداوة وعدم التحضر الذى اعتادوا عليه، فقدموه لنا على أنه صحيح الدين، وهو للأسف ليس كذلك.

اللهم اغفر لنا ولا تغفر لهم، لأنهم ضلّوا وأضلّوا


الأكثر مشاهدة

تابعنا علي فيس بوك