رئيس مجلس الإدارة : هاني نصر

حكاية وصية الرسول التي منع عمر بن الخطاب أن يكتبها أحد

كتب : وسيم عفيفي
PM 12:43 2017 January 1 ,Sunday
مقام النبي صلى الله عليه و سلم

أشرقت شمس الدنيا على المدينة المنورة يوم 12 ربيع الأول سنة 11 هـ ، على المدينة المنورة وقبل أن تصل لكبد السماء ومع وضوح وقت الضحى ، انتقل خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى .
كانت الأجواء التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ملبدة بالغيوم ، فالهول والحزن يسيطران على الجميع ، وعواصف الفتن باتت تستعر نيرانها منذ يوم بيعة السقيفة وتنازع الصحب على خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فضلاً عن حروب المرتدين ومانعي الزكاة .
لكن لغزاً شديد التعقيد يخيم على الأيام التي سبقت انتقال النبي صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى
وهو لغز الكتاب الذي طلبه ليُكْتَب فيه شيء ورفض عمر بن الخطاب تنفيذ ذلك ووقع النزاع في غرفة النبي صلى الله عليه وسلم ، مما استدعاه أن يأمرهم بالخروج من عنده .
تبدأ الواقعة كما في صحيح الإمام البخاري عن عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا .
فاختلفوا وكثر اللغط .
فقال صلى الله عليه وسلم قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع. | ( صحيح البخاري ـ كتاب العلم ـ الحديث 112 ) .

الله وحده ثم رسوله صلى الله عليه وسلم ، يعلمان فحوى ما كان سيُكْتَب في هذا الكتاب .
لكن هذه الواقعة أججت نيران الصراعات بين كافة الأيدولوجيات الإسلامية لاحقاً .
وكثر الكذب كثيراً في هذه الواقعة عن طريق الطعن في عمر بن الخطاب و التبرير له ، أو التشكيك في حدوث الواقعة أصلاً رغم ورودها في كتاب يُعْتَبر هو أصح كتاب بعد كتاب الله ـ حسب وصفهم ـ .
وجهة النظر الأولى عن فحوى ومضمون الكتاب ، يتبناها غلاة الشيعة في كتبهم القديمة كبحار الأنور حيث تقول آراءهم اختصاراً ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سيكتب في الوصية أن الإمام علي بن أبي طالب هو خليفته ، واستشعر عمر خطر ذلك فرفض التنفيذ ـ حسب زعمهم ـ .

لكن وجهة النظر هذه مردود عليه لأسباب عقلية و نقلية .
أول تلك الأمور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمي في حياته اسماً وخصه بالأفضلية التي تؤهل الصحابي المعين بأن يكون خليفته .
ثاني تلك الأمور وهو من مراجع الشيعة أنفسهم ، أن النبي لم يرد الوصية بالخلافة خشية التفرق من بعده وحبذ أن يكون الأمر بينهم شورى .
فالشريف الرضى أحد أبرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري ذكر في كتابه الشافي في الإمامة إنّ العباس بن عبد المطلب خاطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في مرض النبي عليه الصلاة والسلام أن يسأله عن القائم بالأمر بعده ، فإن كان لنا بينه وإن كان لغيرنا وصى بنا ، وأن علي قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ثقل ، فقلنا: يا رسول الله … استخلف علينا ، فقال: لا ، إني أخاف أن تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً اختار لكم"
(الشافي في الإمامة ـ ج 3 ـ ص 87 )

أما وجهة النظر الثانية التي يتبناها مؤرخو السنة في كتبهم ، فقد غلب عليها التبرير العقلي والتأويل لظاهر نص الحديث .

لكن النقاش حول فحوى الوصية يمكن أن يتلخص على النحو الآتي
ففي الأصل ما كان يريد النبي كتابته لم يكن وحياً سماوياً والصحابة يعلمون ذلك بدليل قول الله تعالى على لسان نبيه في حجة الوداع "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" .
ومن يرى أن النبي كان سيكتب في هذا الكتاب وحياً والصحابة قد امتنعوا ، فقد كفر بنص القرآن الكريم في آية إعلان إكمال الدين .

لكن خطأ الصحابة القاتل كان في شيئين تسببا في أن يقوم النبي بإخراجهم من عنده بشكل يشبه الأمر بالطرد .
كان خطأ الصحابة الأول في امتناعهم عن تنفيذ أمر النبي حيث أنه صلى الله عليه وسلم لم يقترح أن يكتب شيئاً وإنما أمر أن يكتب شيئاً وإلا ما كان قال "ائتوني" .
وتبرير رفض عمر بالكتابة أن النبي غلبه الوجع ويهجر كما في كتاب المغازي للإمام البخاري ، مردود لأنه فيه تجرؤ على الجناب النبوي باتهامه أن سكرات الموت تجعله يقول مالا يعي قوله ، أي يهذي ـ حاشاه ـ
وتبرير الرفض كذلك بأنه مجرد إشفاق على النبي صلى الله عليه وسلم كما علل مفتي السعودية بن باز ذلك ، فهو مردود عليه ، لأن الإشفاق يوجب تلبية الطلب لا الرفض ، فضلاً عن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقوم بشيء سوى أن يملي و أحد يكتب .
أما الخطأ الثاني وهو الأشنع ، تنازع الصحابة عند النبي ، وكان هذا كارثياً الأمر الذي جعل النبي يأمرهم بالخروج من عنده ، ويقول بن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بن النبي وكتابة كتابه .
آخرون برروا التصرف بشكل قد يكون مقبولاً ، بأن الرفض كان بسبب المنافقين أنفسهم حيث كانوا سيشككوا في الكتاب وناقليه مما سيؤدي لفتنة لا سيما وأن وقوعها في كل الأحوال سيحدث .

لكن هناك نص آخر خاص بالحادث يمكن أن يكمل الصورة رغم نقصانها وهي رواية أخرى في كتاب الجهاد والسير ـ باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم ، حديث رقم 2888
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس فقال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة .



تابعنا علي فيس بوك